كشف يوسف عقيل، في تقرير نشره موقع «المنصة»، عن تناقضات رقمية وثغرات تقنية في حملة إلكترونية تحمل اسم «السيسي حتى 2050»، أطلقها مؤيدون لرئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي لجمع توقيعات تطالب بتمديد بقائه في الحكم وإحالة المبادرة إلى مجلسي البرلمان للموافقة عليها. وخلال 24 يومًا من انطلاق الحملة، أعلن الموقع تسجيل 43,698 مؤيدًا، لكن اختبار المنصة أظهر إمكانية إدخال بيانات وهمية والحصول على شهادات تأييد، إلى جانب اختلافات كبيرة بين الأرقام المنشورة على الصفحة الرئيسية والإحصاءات التفصيلية وسجل التسجيلات المباشرة.
 

ووفقًا لما أورده موقع المنصة في تقرير، فإن الحملة تواجه تساؤلات بشأن مصداقية أرقام المشاركين، وتوقيت إطلاق الموقع، والجهة التي تقف وراء المبادرة. كما أظهرت مراجعة بيانات النطاق الإلكتروني وحسابات الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي مؤشرات إضافية تستدعي التدقيق في حجم التأييد المعلن، بينما لم تعلن أي جهة حكومية أو حزب سياسي مسؤوليتها عن تنظيم الحملة أو رعايتها.

 


تسجيلات وهمية وتناقضات رقمية في حملة «السيسي حتى 2050»


أدخل فريق «المنصة» بيانات وهمية في ست عمليات تسجيل منفصلة على موقع الحملة، وقبلت المنصة جميعها وأصدرت شهادات تؤكد تأييد أصحاب البيانات المزعومين لتمديد فترة حكم السيسي.


ويتطلب التسجيل إدخال الاسم ورقم الهاتف والرقم القومي والبريد الإلكتروني والمحافظة والفئة العمرية، إضافة إلى الانتماء الحزبي إن وجد. لكن الموقع لا يتحقق من صحة هذه البيانات، سواء عبر طلب مستندات إثبات الهوية أو إرسال رموز تأكيد إلى الهاتف أو البريد الإلكتروني.


ويمنع الدستور المصري الحالي السيسي من الترشح مجددًا للرئاسة، إذ تنص المادة 140 على أن ولايته الحالية هي الأخيرة، وتنتهي رسميًا عام 2030. ولذلك، فإن المطالبة ببقائه في الحكم حتى عام 2050 تستلزم تعديلًا دستوريًا واسعًا يرفع القيود المفروضة على مدد الرئاسة.


وتعرض الصفحة الرئيسية للموقع إجمالي عدد المشاركين، بينما تضم صفحة البيانات والإحصاءات أقسامًا تفصيلية تشمل أعداد المؤيدين، وسجلًا مباشرًا للتسجيلات الجديدة، وإحصاءات يومية. وبمجرد إدخال المستخدم بياناته، يظهر اسمه وبيانات تسجيله في قائمة المشاركات المباشرة.


لكن متابعة الموقع على مدار ثلاثة أيام، هي 11 و12 و13 أكتوبر، كشفت عن اختلافات حادة بين الأرقام المعروضة.


في بداية المتابعة يوم 11 أكتوبر، أظهرت الصفحة الرئيسية تسجيل 37,956 مؤيدًا، ثم ارتفع العدد إلى 41,882 في اليوم التالي، بزيادة قدرها 3,926 تسجيلًا. غير أن الرسم البياني أسفل صفحة البيانات والإحصاءات أشار إلى تسجيل 625 تأييدًا فقط خلال اليومين مجتمعين. كما أظهرت مراجعة سجل المشاركات المباشرة أن 21 شخصًا فقط أدخلوا بياناتهم، من بينهم الحسابات الوهمية الستة التي أنشأها فريق «المنصة».


وقبيل نشر التقرير يوم الثلاثاء، ارتفع العدد الإجمالي إلى 43,698 مؤيدًا، بزيادة بلغت 1,816 تسجيلًا إضافيًا. لكن الرسم البياني الخاص بالموقع لم يعكس هذه الزيادة، إذ سجل 315 مشاركة جديدة فقط، بينما لم يُظهر سجل التسجيلات المباشرة سوى 16 إدخالًا.


وتأكدت «المنصة» من تكرار هذه التناقضات عبر مراجعة نسخ مؤرشفة من الموقع باستخدام خدمة «واي باك ماشين» التابعة لأرشيف الإنترنت، التي تحفظ نسخًا مؤرخة من صفحات الويب.


وأظهرت نسخة مؤرشفة بتاريخ 9 أكتوبر أن إجمالي المشاركين بلغ 30,257، قبل أن يقفز العدد بمقدار 7,699 تأييدًا خلال اليومين التاليين، ليصل إلى 37,956 في 11 أكتوبر. لكن الرسم البياني الخاص بالموقع أظهر أن الزيادة اليومية خلال تلك الفترة لم تتجاوز ألف تسجيل.

 


تاريخ إنشاء الموقع والحسابات الوهمية.. من يقف وراء الحملة؟


لم تقتصر التناقضات على أعداد المشاركين، بل امتدت إلى تاريخ إنشاء الموقع الإلكتروني. فعلى الرغم من أن واجهة الحملة تشير إلى بدء التسجيل في 13 سبتمبر، لم يُسجل شراء اسم النطاق الخاص بها إلا بعد ذلك بأسبوع.


وتحققت «المنصة» من هذا التناقض عبر بيانات البحث عن النطاقات التي توفرها مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة «آيكان» (ICANN)، المسؤولة عن تنسيق نظام أسماء النطاقات على الإنترنت. وأظهرت البيانات أن النطاق sisi2050.com اشتُري في 19 سبتمبر، وأن شركة «جودادي» (GoDaddy) ظهرت بوصفها مزود خدمة الاستضافة وإنشاء الموقع.


كذلك، ظلت أعداد التسجيلات اليومية شبه مستقرة لنحو 20 يومًا بعد موعد الإطلاق المعلن، إذ دارت حول 280 مشاركة يوميًا. وظهر تفاوت كبير بين إجمالي التسجيلات اليومية التراكمي، الذي بلغ 9,015 تسجيلًا خلال الفترة من 13 سبتمبر إلى 13 أكتوبر، وبين العدد الإجمالي الذي عرضته الصفحة الرئيسية، والبالغ 43,698 تأييدًا.


وامتدت الشكوك إلى حسابات الحملة على منصات التواصل الاجتماعي. فقد تجاوز عدد متابعي صفحتها على «فيسبوك» ستة آلاف متابع في 12 أكتوبر، لكن مراجعة الحسابات كشفت عن وجود متابعين وهميين من ولايات أمريكية مختلفة. واستخدمت هذه الحسابات صورًا متطابقة للملفات الشخصية وصور الغلاف، كما ارتبط تصنيف صفحاتها بعبارة «صالون تجميل».


أما حساب الحملة على منصة «إكس»، فلم يتجاوز عدد متابعيه ثمانية أشخاص. وأظهرت بيانات المنصة أن السعودية هي الدولة المرتبطة بالحساب، لكن هذا المؤشر لا يثبت بصورة قاطعة هوية مالك الموقع أو الدولة التي انطلقت منها الحملة.


وحتى موعد نشر التقرير، لم يعلن أي حزب سياسي أو مؤسسة حكومية رعاية المبادرة. ويعرّف الموقع نفسه باعتباره «مبادرة مدنية مستقلة» يقتصر دورها على جمع عبارات التأييد وتقديمها إلى مجلس النواب ومجلس الشيوخ للموافقة عليها، مؤكدًا أنها ليست جهة حكومية ولا تمثل أي مؤسسة رسمية.


وبرز خيط مهم بشأن هوية القائم على الحملة من خلال شهادة التأييد التي يتيح الموقع للمشاركين تنزيلها. فقد قاد البحث العكسي عن الصورة إلى منشور نُشر في 3 أكتوبر على حساب أحمد حلاوة، وهو الشخص الذي حددته «المنصة» لاحقًا باعتباره مؤسس المبادرة. وكان ذلك أقدم منشور عثرت عليه عملية البحث يتضمن صورة الشهادة، ما يشير إلى أن الموقع كان يتيح إصدارها بحلول ذلك التاريخ.


وقاد البحث عن اسم حلاوة وظهوره الإعلامي إلى مقابلة أجرتها معه قناة «الشمس» في 3 أغسطس 2026، وقدمت خلالها المذيعة ياسمين الخطيب ضيفها باعتباره رجل أعمال و«منسقًا للأمم المتحدة»، قبل أن تطلب منه توضيح طبيعة هذا اللقب.


ووصف حلاوة منصب «منسق الأمم المتحدة» بأنه دور يركز على التنسيق بين عدة دول، وربط موقعه بامتلاكه شركة أمريكية تستثمر في السعودية. لكنه عاد لاحقًا خلال المقابلة ليصف الدور بأنه عمل تطوعي وخدمة عامة لا يتقاضى عنها أجرًا.


وللتحقق من ادعائه، بحثت «المنصة» عن اسم حلاوة بالعربية وبصيغ مختلفة لكتابته بالإنجليزية، ضمن السجلات المتاحة عبر الإنترنت للأمم المتحدة وعدد من وكالاتها وبرامجها، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومتطوعو الأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولم يعثر البحث على سجل رسمي يربط منظم الحملة بأي منصب أو مهمة أممية.


وفي منشور حذفه لاحقًا من «فيسبوك»، هاجم حلاوة وسائل الإعلام التي تناولت الحملة، مؤكدًا أن تقاريرها لن تعرقل جهوده، ومشددًا على أن المبادرة عمل فردي.


كما عثرت «المنصة» على إعلان يربط اسمه بالمبادرة بصورة مباشرة. فقد نشر موقع يحمل اسم «أخبار الوطن العربي» تقريرًا في 5 أكتوبر، ذكر فيه أن حلاوة أطلق مبادرة شبابية تستهدف جمع 30 مليون توقيع خلال ثلاث سنوات للمطالبة بتعديلات دستورية تسمح ببقاء الرئيس في الحكم حتى عام 2050.


ومن خلال مراجعة منشوراته على «فيسبوك»، جمعت «المنصة» معلومات تشير إلى أن اسمه الكامل هو أحمد مجدي رشاد علي حلاوة، وأن عمره 35 عامًا، وينحدر من محافظة الدقهلية ويعمل في السعودية.


ولم تتلقَّ «المنصة» ردًا على استفسارات وجهتها إلى حلاوة بشأن الثغرات التقنية التي تشوب الموقع والتناقضات في الأرقام والبيانات المنشورة.

 


حملات سابقة وتناقض دستوري.. ماذا تطالب مبادرة «السيسي حتى 2050»؟


تأتي حملة «السيسي حتى 2050» امتدادًا لمبادرات سابقة لجمع التوقيعات حملت أهدافًا مشابهة. ففي عام 2014، ظهرت حملة «كمل جميلك» لدعوة السيسي إلى الترشح للرئاسة، ثم جاءت حملة «عشان تبنيها» عام 2017 لحثه على الترشح لولاية ثانية. كما تتشابه المبادرة الحالية مع الحملات التي دعمت التعديلات الدستورية عام 2019، والتي مددت مدة الولاية الرئاسية إلى ست سنوات وأتاحت للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.


وتدعو الرسالة المنشورة على موقع الحملة، والموجهة إلى ما تسميه «مجلس الشعب ومجلس الشيوخ»، إلى إصدار «قانون استثنائي لاستمرار الرئيس السيسي في حكم مصر»، مبررة ذلك بما تصفه بأنه «تهديد وجودي» تواجهه البلاد.


لكن هذه المطالبة تكشف عن ارتباك قانوني ودستوري في صياغة المبادرة؛ إذ استخدم القائمون عليها اسم «مجلس الشعب»، وهو مسمى برلماني سابق لم يعد معتمدًا، بدلًا من «مجلس النواب»، وهو الاسم الذي يقره الدستور الحالي للغرفة البرلمانية المعنية.


وتثير هذه التفاصيل تساؤلات بشأن مدى دقة المبادرة في عرض الأسس الدستورية والقانونية التي تستند إليها، فضلًا عن مصداقية الأرقام التي تعلنها باعتبارها مؤشرًا على حجم التأييد الشعبي.


فبين تسجيلات وهمية أمكن إنشاؤها بسهولة، وتفاوتات بين الإحصاءات المنشورة وسجل المشاركات، وفجوة كبيرة بين أرقام التسجيل اليومية والإجمالي المعلن، تظل الأعداد التي تعرضها حملة «السيسي حتى 2050» محل تساؤل، في انتظار توضيح موثوق لطريقة احتسابها والجهات التي تقف وراء المبادرة.

 

https://almanassa.com/en/news/34387